محمد بن جرير الطبري

221

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

بينكم فجعلكم أهل ملل شتى ، بأن وفق هؤلاء للايمان به والعمل بطاعته فكانوا مؤمنين ، وخذل هؤلاء فحرمهم توفيقه فكانوا كافرين ، وليسألنكم الله جميعا يوم القيامة عما كنتم تعملون في الدنيا فيما أمركم ونهاكم ، ثم ليجازينكم جزاء المطيع منكم بطاعته والعاصي له بمعصيته . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم ) * . يقول تعالى ذكره : ولا تتخذوا أيمانكم بينكم دخلا وخديعة بينكم ، تغرون بها الناس فتزل قدم بعد ثبوتها يقول : فتهلكوا بعد أن كنتم من الهلاك آمنين . وإنما هذا مثل لكل مبتلي بعد عافية ، أو ساقط في ورطة بعد سلامة ، وما أشبه ذلك : زلت قدمه ، كما قال الشاعر : سيمنع منك السبق إن كنت سابقا * وتلطع إن زلت بك النعلان وقوله : وتذوقوا السوء يقول : وتذوقوا أنتم السوء وذلك السوء هو عذاب الله الذي يعذب به أهل معاصيه في الدنيا ، وذلك بعض ما عذب به أهل الكفر . بما صددتم عن سبيل الله يقول : بما فتنتم من أراد الايمان بالله ورسوله عن الايمان . ولكم عذاب عظيم في الآخرة ، وذلك نار جهنم . وهذه الآية تدل على أن تأويل بريدة الذي ذكرنا عنه في قوله : وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم والآيات التي بعدها ، أنه عني بذلك : الذين بايعوا رسول الله ( ص ) على الاسلام ، عن مفارقة الاسلام لقلة أهله ، وكثرة أهل الشرك هو الصواب ، دون الذي قال مجاهد أنهم عنوا به ، لأنه ليس في انتقال قوم تحالفوا عن حلفائهم إلى آخرين غيرهم صد عن سبيل الله ولا ضلال عن الهدى ، وقد وصف تعالى ذكره في هذه